أحمد الفاروقي السرهندي
296
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
للنّصوص القرآنيّة ؛ قال اللّه تعالى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * « 1 » وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ « 2 » وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ « 3 » ( وأيضا ) هو نقص وسلب للصّفة الكاملة منه تعالى ( فإن قيل ) إنّ الرّؤية في الواجب تعالى عبارة عن العلم بالأشياء لا أنّها أمر آخر وراء العلم مستلزم للجهة ( أجيب ) لا شكّ أنّ الرّؤية من الصّفات الكاملة ثابتة للواجب سبحانه بالاستقلال بنصّ القرآن وإرجاعها إلى العلم ارتكاب خلاف الظّاهر ولو سلّم أنّها من أقسام العلم لا يلزم منه عدم اشتراط المحاذاة فيها ؛ فإنّ العلم على قسمين : قسم : لا يشترط فيه محاذاة المعلوم وقسم آخر : تشترط فيه المحاذاة وهو المسمّى بالرّؤية وهذا القسم أعلى أقسام في الممكنات وحاصل في مرتبة اطمئنان القلب ولا أمن في المعقولات من معارضة الوهم والخالي عن تلك المعارضة إنّما هو المحسوس ومن ههنا طلب الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام رؤية إحياء الموتى ليطمئنّ قلبه مع وجود الإيمان واليقين به ( ينبغي أن يعلم ) أنّ الرّؤية الّتي هي من الصّفات الكاملة إذا لم تكن في الواجب تعالى من أين جاءت للممكن فإنّ كلّ كمال حاصل للممكن هو عكس الكمال الذي في مرتبة الواجب تعالى وتقدّس وحاشا أن يكون في الممكن ما ليس للواجب تعالى فإنّ الممكن هو عين النّقص في حدّ ذاته فإن كان فيه كمال فهو عارية من مرتبة حضرة الوجوب - تعالت وتقدّست - الّتي هي عين كلّ خير وكمال . ( شعر ) ما جئت من بيتي بشيء إنّما * * * * أعطيتني ما بي ونفسي بعض ذا ( وجواب آخر ) عن أصل السّؤال انّ هذا الاعتراض متمشّ في وجود الواجب تعالى وتقدّس فكما أنّه ينفي الرّؤية ينفي الوجود من جناب قدسه تعالى فهذا الاعتراض ليس بوارد ؛ لكونه مستلزما للمحال العقليّ . ( بيانه ) أنّ الواجب سبحانه إذا كان موجودا يكون البتّة في جهة من جهات العالم من فوق وتحت وقدّام وخلف ويمين وشمال وذلك مستلزم للإحاطة والتّحديد المستلزم للنّقص المنافي للألوهيّة تعالى اللّه وتقدّس عن ذلك ( فإن قيل ) يمكن أن يكون في جميع جهات العالم فلا يلزم الإحاطة والتّحديد ( أجيب ) أنّ كونه في جميع جهات العالم لا ينفي الإحاطة والتّحديد فإنّه على هذا التّقدير أيضا يكون وراء العالم البتّة فإنّ الاثنينيّة لازمة للغيريّة الاثنان متغايران قضيّة مقرّرة عند أرباب المعقول وذلك مستلزم للتّحديد ( لا يخفى ) أنّ طريق التّفصّي من أمثال هذه الشّبهات المموّهة الغير الحقّة التزام الفرق بين أحكام الغيبة وأحكام الشّهادة وعدم قياس الغائب على الشّاهد فإنّه يمكن أن يكون بعض الأحكام صادقا في الشّاهد وكاذبا في الغائب وكمالا في الشّاهد ونقصا في الغائب فإنّ تباين الاحكام ثابت خصوصا إذا كان بين المواطن بون بعيد ما للتّراب وربّ الأرباب رزقهم اللّه سبحانه الإنصاف حتّى لا ينكروا النّصوص القرآنيّة
--> ( 1 ) - الآية : 265 من سورة البقرة . ( 2 ) - الآية : 11 من سورة الشورى . ( 3 ) - الآية : 94 من سورة التوبة .